بعد رحلة تصفيات شاقة وملحمية، نجح المنتخب السعودي في كتابة فصل جديد من مجده الكروي، بحجز مقعده في نهائيات كأس العالم 2026 التي ستستضيفها الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكندا. هذا التأهل السابع في تاريخ “الأخضر” لم يأتِ بسهولة، بل كان محصلة لإرادة صلبة، وتخطيط دقيق، وتصحيح للمسار بعد منعطفات صعبة، ليعود الفريق إلى أكبر محفل كروي عالمي.
رحلة التصفيات: اختبار العزيمة على أربع مراحل
انطلقت رحلة “الأخضر” الطويلة من الدور الثاني للتصفيات الآسيوية، حيث وُضع في المجموعة السابعة برفقة الأردن وطاجيكستان وباكستان. قدّم الفريق أداءً قوياً، حيث تفوق على باكستان في ذهابها (4-0) وإيابها (3-0)، وتعادل خارج أرضه مع طاجيكستان (1-1)، ليحتل المركز الثاني في المجموعة برصيد 13 نقطة، ويتأهل للدور التالي.
في الدور الثالث، واجه المنتخب اختباراً حقيقياً ضمن “مجموعة الموت” التي ضمت اليابان وأستراليا والبحرين وإندونيسيا والصين. شهدت هذه المرحلة أداءً متبايناً؛ حيث افتتحها بتعادل مخيب أمام إندونيسيا على أرضه (1-1)، لكنه عاد ليفوز بصعوبة على الصين خارج الديار (2-1). كانت المفاجأة الكبرى هي الفوز التاريخي على اليابان (2-0) في جدة، لتُشعل الأمل من جديد. ومع ذلك، تبع ذلك سلسلة من النتائج المخيبة للآمال على الأرض نفسها، شملت تعادلاً مع البحرين (0-0) وخسارة من أستراليا (2-1)، مما أبقى الفريق في المركز الثالث في المجموعة بـ13 نقطة، ليتأهل لخوض الملحق الآسيوي (الدور الرابع) وليس التأهل المباشر.
الملحق الآسيوي: انتصار الإرادة والحسم
في الدور الرابع والأخير، وضعت القرعة المنتخب السعودي في المجموعة الثانية التي استضافتها جدة، برفقة العراق وإندونيسيا. كانت المهمة واضحة: التصدر هو الطريق الوحيد للتأهل المباشر للمونديال. بدأ “الأخضر” مشواره بمواجهة عاصفة أمام إندونيسيا في 8 أكتوبر 2025، حيث قدم مباراة مثيرة للمشاعر وانتهت بفوزه بنتيجة 3-2.
في 14 أكتوبر 2025، وقف الفريق على عتبة التاريخ في المباراة الحاسمة أمام المنتخب العراقي. كانت الحسابات بسيطة: التعادل يكفي للتأهل بفضل تفوق فارق الأهداف. في مباراة تكتيكية مشحونة بالتوتر، نجح “الأخضر” في الحفاظ على شباكه نظيفة لتنتهي المباراة بالتعادل السلبي (0-0). وكانت هذه النتيجة كافية ليتصدر الفريق المجموعة بأربع نقاط، متفوقاً على العراق الذي تساوى معه في النقاط ولكن بفارق الأهداف، ليعلن تأهله الرسمي إلى كأس العالم 2026 وسط احتفاء جماهيري عارم.
يوضح الجدول التالي ملخص أداء المنتخب السعودي عبر أدوار التصفيات الرئيسية:
| مرحلة التصفيات | المركز النهائي | عدد النقاط | أبرز المنافسين | مصير التأهل |
|---|---|---|---|---|
| الدور الثاني | الثاني | 13 نقطة | الأردن، طاجيكستان | التأهل للدور الثالث |
| الدور الثالث | الثالث | 13 نقطة | اليابان، أستراليا | التأهل للملحق الآسيوي |
| الدور الرابع (الملحق) | الأول | 4 نقاط | العراق، إندونيسيا | التأهل المباشر لكأس العالم 2026 |
التحول تحت قيادة رينارد: دمج الخبرة والشباب
كان لتعيين المدرب الفرنسي هيرفي رينارد في وقت سابق من عام 2023 أثر بالغ في صياغة هوية الفريق خلال المراحل الحاسمة. تميزت قائمتُه النهائية التي أعلنها في سبتمبر 2025 لخوض الملحق الآسيوي بجرأة واضحة في دمج الشباب مع الخبرة.
اتخذ رينارد قرارات جريئة باستبعاد عدد من لاعبي خط الدفاع ذوي الخبرة مثل علي البليهي وعبدالإله العمري، واختار بدلاً منهم وجوهاً شابة واعدة مثل جهاد ذكري ومحمد سليمان. كما أعاد الاعتماد على سعود عبدالحميد الظهير المحترف في نادي لانس الفرنسي، وضم مهند آل سعد المحترف في لوزان السويسري، مما أضاف بعداً أوروبياً ومهارات فنية راقية للفريق. وثِقَ رينارد في الحارس الأساسي نواف العقيدي، وفي القيادة والمهارة داخل الملعب للاعبين مثل سالم الدوسري وناصر الدوسري ومحمد كنو.
التطلعات نحو مونديال 2026: ما بعد التأهل
يحمل هذا التأهل أهمية استثنائية للمنتخب السعودي، فهو:
- التأهل السابع في تاريخ المشاركات العالمية، مما يعزز مكانته كأحد منتخبات آسيا القارية الدائمة الحضور.
- عودة إلى المنافسة على المستوى العالمي بعد غياب دام 4 سنوات فقط، في ظل بيئة كروية محلية (الدوري السعودي) تشهد نهضة غير مسبوقة تجذب النجوم العالميين.
- فرصة جديدة لتحسين الصورة التي رسمها المنتخب في مونديال 2022، وخاصة بعد الفوز التاريخي على الأرجنتين حاملة اللقب آنذاك، لإثبات أن ذلك الإنجاز لم يكن صدفة.
إن رحلة التأهل هذه، برغم وعورتها، كشفت عن قوة شخصية الفريق السعودي وقدرته على النهوض بعد الهزيمة. الجماهير السعودية والعربية تتطلع الآن إلى ما هو أبعد من مجرد المشاركة في المونديال المقبل. التحدي القادم هو تقديم أداء مشرف، وربما مفاجئ، في أرض القارة الأمريكية، ليثبت “الأخضر” أنه قادر على المنافسة وترك بصمته في تاريخ المونديالات.

