في مساء الثلاثاء، اليوم الثاني من ديسمبر 2025، تلتقط أنفاسها كرة القدم العربية على ملعب المدينة التعليمية في الدوحة. هناك، حيث تُصنع المفاجآت وتُختبر العزائم، يلتقي عملاقان خليجيان في واحدة من أبرز مواجهات الجولة الافتتاحية لـكأس العرب 2025. يتربص المنتخب السعودي، حامل الطموحات الكبيرة والمزود بقائمة لاعبين “تتوهج” بالمهارات وفقًا لتحليلات محلية. يقابله المنتخب العماني، سيد المفاجآت وصانع المعجزات، القادم من بوابة التصفيات بقلب قوي وروح لا تعرف الاستسلام. هذه ليست مباراة عابرة؛ إنها صراع هوية واختبار حقيقي للإرادة، حيث يسعى “الأخضر” لتدشين مشواره بقوة، بينما يحلم “الأحمر” بكتابة فصل جديد من فصول تحدياته التاريخية.
الفصل الأول: ثقل التاريخ وعبء التوقعات
يدخل المنتخب السعودي هذه المواجهة وهو يحمل تراثًا ثقيلًا في البطولة، حيث تبلغ هذه مشاركته الثامنة في كأس العرب. هذا التاريخ يخلق حالة من الترقب والضغط النفسي، خاصة بعد الأداء المشرف في تصفيات كأس العالم، والذي يتطلع الجمهور لرؤية استمراريته على أرض قطر. يقوده المدرب الفرنسي المخضرم هيرفي رينارد، ساحر الفرق الأفريقية، الذي يواجه تحديًا مختلفًا هذه المرة: قيادة فريق غني بالمواهب المحلية المتألقة في دوري “روشن” السعودي نحو لقب عربي.
على الجانب الآخر، يقف المنتخب العماني بخبرته الأقل كمًّا لكنها غنية بالكيف. هذه هي المشاركة الثالثة له في تاريخ البطولة، لكنه وصل إليها بعد اختبار قاسٍ، حيث تأهل عبر التصفيات بفوز صعب على الصومال بركلات الترجيح. هذه الرحلة القاسية قد تكون سلاحًا ذا حدين؛ فمن ناحية تُعبئ الفريق روحانيًا وتجعله متشبثًا بأهداب الفرصة، ومن ناحية أخرى قد تترك أثرًا من التعب النفسي والبدني. بقيادة مدربه، يدرك العمانيون جيدًا أنهم الطرف الأقل حظًا في التوقعات، وهو ما قد يمنحهم حرية أداء ثمينة بعيدًا عن عيون الترقب الحارقة.
الفصل الثاني: معسكرات الاستعداد.. بين البيانات والأرقام
تكشف استعدادات الفريقين عن فلسفتين مختلفتين. يبدو المعسكر السعودي واثقًا، معتمدًا على حصيلة موسم محلي مذهلة. تشير التقارير إلى أن قائمة رينارد تضم 23 لاعبًا قدموا معًا 28 مساهمة هجومية (11 هدفًا و17 صناعة) في الدوري المحلي حتى وقت الاستدعاء. هذه ليست مجرد أرقام، بل دليل على فاعلية هجومية موزعة على جميع الخطوط. حتى حارس المرمى نواف العقيدي سجل تمريرة حاسمة، بينما برز المدافع وليد الأحمد كثاني أفضل مدافع تسجيلاً في الدوري بأربعة أهداف. هذا التنوع الهجومي يمنح رينارد مرونة تكتيكية هائلة لاختراق أي دفاع.
جدول يوضح توزيع المساهمات الهجومية للاعبي المنتخب السعودي في الدوري المحلي قبل البطورة (وفقًا لإحصائيات مبدئية):
أما المعسكر العُماني، فطريقه كان مختلفًا. لقد خاض معركة تأهيل عصيبة ضد الصومال، انتهت بركلات الترجيح. مثل هذه المواجهات تُصلب العزيمة ولكنها تستهلك طاقات جسدية وعقلية كبيرة. التحدي الأكبر للجهاز الفني العُماني سيكون في تحويل طاقة الصمود والمرونة التي أظهرها الفريق في التصفيات إلى خطة تكتيكية عملية لمواجهة القوة النارية السعودية. هل سيعتمدون على الدفاع المشدد والهجمات المرتدة السريعة؟ أم أن لديهم مفاجأة أخرى في جعبتهم؟
الفصل الثالث: ساحة المعركة التكتيكية.. توقع للمناورات
تشير كل القرائن إلى أن السعودية ستسيطر على مجريات اللعب. مع وجود صناع ألعاب مثل سالم الدوسري، الذي يُوصف بأنه في “قمة جاهزيته الفنية والبدنية”، ومواهب شابة صاعدة مثل مصعب الجوير، من المتوقع أن يفرض “الأخضر” إيقاعًا هجوميًا سريعًا. قوة السعودية ليست في أسماء لامعة فحسب، بل في التنوع الهجومي؛ حيث يمكن أن تأتي الأهداف من الكرات الثابتة عبر المدافعين (كالأحمد)، أو من التحركات العميقة لاعبي الأطراف، أو عبر التمريرات المميتة من وسط الملعب.
في مواجهة هذه الآلة الهجومية، سيكون المنتخب العُماني أمام امتحان عسير. التوقع هو أن يلجأ إلى تشكيل دفاعي متماسك، ربما بخمسة مدافعين، في محاولة لإغلاق المساحات وحرمان النجوم السعوديين من التحرك بحرية. مفتاح نجاح العُمانيين سيكون في الانتقال السريع من الدفاع إلى الهجوم. كل خطأ في بناء الهجمات السعودية يمكن أن يتحول إلى فرصة ذهبية للهجمات المرتدة العُمانية. كما أن الانضباط التكتيكي والتركيز طوال الـ90 دقيقة سيكونان عاملين حاسمين، خاصة في التعامل مع الكرات الثابتة التي يبرع فيها السعوديون.
الصراع داخل أرض الملعب سيدور حول محور رئيسي: هل تستطيع الموهبة السعودية المنظمة كسر الصبر والتنظيم العُماني؟ الإجابة ستحدد مصير النقاط الثلاث.
الفصل الرابع: خارج الملعب.. أبعاد تتجاوز النتيجة
تكتسب هذه المباراة أهمية خاصة لأنها أول لقاء يجمع المنتخبين في تاريخ مشاركاتهما في كأس العرب على الإطلاق. هذا يضيف بُعدًا تاريخيًا للقاء، حيث يسعى كل فريق لكتابة اسمه كأول منتصر في سجل المواجهات المباشرة بينهما داخل هذه البطولة. كما أنها أكثر من مجرد مباراة في دور المجموعات؛ إنها مواجهة نفسية ستؤثر على مسار الفريقين في البطولة. الفوز بالنسبة للسعودية سيكون بمثابة تأكيد على مكانتها كمرشح قوي للقب وبداية مثالية في مجموعة صعبة تضم أيضًا المغرب وجزر القمر. أما للعُمان، فحتى التعادل سيكون إنجازًا رائعًا يعزز ثقة اللاعبين ويضعهم في موقع جيد للمنافسة على التأهل.
ولعل البعد الأهم هو الرمزية الخليجية للمواجهة. تجمع المباراة بين فريقين يجسدان نموذجين للتنمية الرياضية في المنطقة. السعودية ببنيتها التحتية الضخمة واستثماراتها الهائلة، وعُمان بروحه القتالية وتخطيطه المحكم رغم الإمكانيات الأقل. على أرض الملعب، تختزل هذه المواجهة قصة التنافس الشقيق والطموح المشترك نحو تمثيل عربي مشرف.
خاتمة: موعد مع اللحظة الفاصلة
مع اقتراب ساعة الصفر، تصبح الحسابات النظرية في خبر كان. على أرضية ملعب المدينة التعليمية، سيتحول كل ما سبق إلى إرادة اللاعبين وبراعة المدربين وربما حظوة الحظ. المنتخب السعودي مدعوٌّ لتجاوز عقدة البدايات البطيئة وإثبات أن جاهزيته الفنية القائمة على الأداء المحلي قادرة على التحول إلى انتصارات دولية. المنتخب العُماني، من جانبه، يحمل سلاح المفاجأة والإيمان، وهو سلاح غالبًا ما غير موازين قوى أكثر رسوخًا في ملاعب كرة القدم.
تذاع هذه المباراة عبر عدد من القنوات الرياضية الرائدة مثل أبوظبي الرياضية، دبي الرياضية، بين سبورتس، والكأس. للمشاهد، الوعد بمشاهدة صراع بين القوة والتنظيم، بين الطموح الجامح والصبر الحكيم. مهما تكن النتيجة، فإن انطلاق صافرة الحكم السويدي ستكون بداية لفصل جديد في سجل العلاقات الرياضية بين الجارين الشقيقين، واختبارًا حقيقيًا لطموحات كليهما في نسخة استثنائية من كأس العرب، تستضيفها قطر تحت رعاية فيفا، وتتوّج بتميمة “جحا” التي تذكر الجميع بأن الحكمة والبساطة هما أساس اللعبة.

