في قلب العاصمة الإسبانية مدريد، حيث يتنفس التاريخ كرة القدم وتتوج جدران سانتياجو برنابيو بألقابٍ لا تُحصى، يستعد العملاق الملكي لخوض معركة مصيرية. إنها رحلة ريال مدريد في دوري أبطال أوروبا لموسم 2025/2026، وهي ليست مجرد حملة عادية للفوز بالكأس ذات الأذنين الكبيرتين، بل هي مهمة تاريخية لاستعادة ما يُعتبر بحق “ملكية” النادي في المسابقة القارية. يأتي هذا الموسم في لحظة فاصلة: ريال مدريد، صاحب الرقم القياسي المطلق بـ15 لقباً، لم يعد يحمل اللقب منذ موسم 2023/2024، فيما يشهد البناء التنظيمي للبطولة نفسها أكبر ثورة في تاريخها الحديث.
الثورة والنظام الجديد: ملعب جديد وقواعد مختلفة
يدخل ريال مدريد الموسم في ظل النسخة الثانية من نظام دوري أبطال أوروبا الجديد تماماً، والذي أُطلق في الموسم السابق. لقد ولّى زمن دور المجموعات التقليدي ذو الـ32 فريقاً، وحل محله نظام “الدوري الموحد” أو ما يُعرف بالنظام السويسري، والذي يضم 36 فريقاً في دور واحد. في هذا النظام، يلعب كل فريق 8 مباريات فقط (4 داخل الأرض و4 خارجها)، ضد 8 خصوم مختلفين، يتم تحديدهم بناء على سلال التصنيف. النتيجة النهائية ترتيب واحد شامل لجميع الفرق الـ36.
تكون المخاطر والمكافآت في هذا النظام واضحة وجسيمة:
- المراكز من 1 إلى 8: تتأهل مباشرة إلى دور الـ16، وتتجنب بالتالي مرحلة الملحق الإضافية.
- المراكز من 9 إلى 24: تخوض جولة ملحق إقصائية (ذهاب وإياب) فيما بينها، يتأهل فائزوها إلى دور الـ16.
- المراكز من 25 إلى 36: تُستبعد من المنافسات الأوروبية بالكامل لهذا الموسم.
هذا يعني أن كل مباراة في “مرحلة الدوري” هذه تحمل وزناً هائلاً. الهزيمة أو التعادل غير المتوقعان قد يدفعان الفريق من بر الأمان في المراكز الثمانية الأولى إلى دوامة الملحق الخطير، أو قد يوديان به خارج المنافسة القارية مبكراً. إنها بيئة تختبر عمق الفريق وثباته النفسي في كل جولة.
قرعة نارية وطريق شائك نحو التأهل
وضَعَت قرعة دوري الأبطال، التي أُقيمت في موناكو في 28 أغسطس 2025، ريال مدريد في مواجهة مع عمالقة أوروبا منذ الوهلة الأولى. وجد النادي نفسه في مجموعة مواجهات مليئة بالتحديات، حيث سيواجه أندية كبرى مثل مانشستر سيتي الإنجليزي ويوفنتوس الإيطالي وليفربول الإنجليزي. ويُظهر الجدول الزمني للمباريات أن ريال مدريد أنهى بالفعل خمس من مبارياته الثمانية في مرحلة الدوري، ويتبقى له ثلاث مواجهات حاسمة:
| التاريخ | المباراة | النتيجة/الحالة |
|---|---|---|
| 10 ديسمبر 2025 | ريال مدريد vs مانشستر سيتي | لم تُلعب بعد |
| 20 يناير 2026 | ريال مدريد vs موناكو | لم تُلعب بعد |
| 28 يناير 2026 | بنفيكا vs ريال مدريد | لم تُلعب بعد |
تبدو هذه المباريات الثلاث، وخصوصاً المواجهة المباشرة مع مانشستر سيتي في البرنابيو، حاسمة في تحديد ما إذا كان النادي سيتأهل مباشرة إلى دور الـ16 أو سيضطر لخوض الملحق.
الأداء الحالي: صدارة متزعزعة وأمل مبابي
بعد خوض خمس جولات، يقف ريال مدريد في المركز الخامس في جدول الترتيب العام، برصيد 12 نقطة (من أربعة انتصارات وهزيمة واحدة). يشاركه في رصيد النقاط فرق مثل باريس سان جيرمان وبايرن ميونخ وإنتر ميلان، لكن فارق الأهداف يضعه خلفهم. يشير هذا إلى أن مركزه ضمن الثمانية الأوائل – الذي يؤهله مباشرة – ليس مضموناً على الإطلاق، حيث تتبعه مجموعة من الفرق المهمة مثل بوروسيا دورتموند وتشيلسي ومانشستر سيتي بفارق نقطتين فقط.
لقد كانت رحلة الفريق في المرحلة حتى الآن مليئة بالإثارة والقلق. بعد بداية قوية، تعثر وتلقى هزيمة مبكرة على أرضه أمام أولمبيك مارسيليا. ومع ذلك، عاد ليثبت قدرته على الصمود، حيث قدم أداءً بطولياً في انتصاره الصعب خارج أرضه على أولمبياكوس اليوناني بنتيجة 4-3، في مباراة سجل فيها النجم الفرنسي كيليان مبابي أربعة أهداف.
التحديات: عبء التاريخ وصعوبة المزج
وراء الأرقام والترتيب، تواجه ريال مدريد تحديات عميقة قد تحدد مصير حملتها:
- تحت قيادة جديدة: يدرب الفريق حالياً تشابي ألونسو. الانتقال من فلسفة المدرب السابق الأسطوري كارلو أنشيلوتي، الذي كان يعتمد بشكل كبير على حرية الفرديات وخصوصاً في الهجوم، إلى منهج ألونسو الأكثر تنظيماً وتطلباً تكتيكياً، يخلق فترة انتقالية صعبة. هناك تقارير تشير إلى أن الفريق “بلا هوية هجومية واضحة” ويواجه صعوبة في اختراق الدفاعات المتكتلة.
- مُعادلة النجوم: يكمن التحدي الأكبر في كيفية دمج الثروة الهجومية التي يمتلكها النادي. تحقيق التوازن بين مهارات كيليان مبابي (الهداف الرئيسي حالياً)، وفينيسيوس جونيور، وجود بيلينغهام، وغيرهم، مهمة معقدة تتطلب وقتاً وفهماً تكتيكياً دقيقاً.
- ضغط الاستحقاقات المحلية: يؤدي ريال مدريد معركتين متوازيتين على جبهتي الدوري الإسباني ودوري الأبطال. أي تعثر في الدوري المحلي، حيث يتنافس على اللقب، قد يترك آثاره النفسية والبدنية على أداء الفريق في المسابقة الأوروبية.
الخاتمة: قصة لم تكتمل بعد
رحلة ريال مدريد في دوري أبطال أوروبا 2025/2026 هي قصة تحت التشكيل. إنها مسيرة تجمع بين ثقل تاريخ لا يُضاهى وواقع تنافسي شرس في ظل نظام جديد لا يرحم. يتمتع الفريق بكل المكونات اللازمة للفوز باللقب السادس عشر: مجموعة لاعبين من الطراز العالمي، ومدرب طموح، وإرادة فوز متجذرة في ثقافة النادي. ومع ذلك، فإن الطريق إلى نهائي بودابست في مايو 2026 محفوف بالتحديات الهيكلية والتكتيكية.
القدرة على التكيف مع النظام الجديد، وتخطي مرحلة الدوري بسلام لتأمين مقعد مباشر في دور الـ16، وحل المُعضلة الهجومية لتحقيق أقصى استفادة من نجوم الفريق، ستكون هي العوامل التي ستحدد ما إذا كان هذا الموسم سيشهد عودة الملك إلى عرشه الأوروبي، أم سيكون عاماً آخر من الانتظار والشوق في مدريد. المعركة الحقيقية تبدأ الآن.

