في عالم كرة القدم، حيث التقاليد تُحترم والتغيير يُقابل بالحذر، تشهد البطولة الأوروبية الأعرق تحولاً جذرياً يضاهي في حجمه التحول من كأس الأندية البطلة إلى دوري الأبطال نفسه. يُعد موسم 2025-2026 الفصل الثاني من هذه الملحمة الجديدة، حيث يواصل الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (اليويفا) تطبيق نظامه الثوري الذي أعاد تعريف مفهوم المنافسة القارية من جذوره. هذا الموسم ليس مجرد سباق على لقب “ذو الأذنين الكبيرتين”، بل هو اختبار حقيقي لفلسفة جديدة تهدف إلى زيادة الإثارة والعدالة والتنافسية في كل مباراة، منذ الصافرة الأولى وحتى النهائي التاريخي المُقرر في قلب أوروبا.
النظام الجديد: نهاية “المجموعات” وبداية “الدوري القاري”
لطالما اعتاد عشاق الكرة على مفهوم دور المجموعات التقليدي، مع فرق أربعة ومواجهات مزدوجة. لكن ذلك النظام أصبح من الماضي. انطلق نظام “مرحلة الدوري” ليشمل 36 فريقاً، بزيادة أربعة فرق عن النظام السابق، في محاولة لتوسيع رقعة المشاركة وضخ دماء جديدة في البطولة.
يجتمع جميع الفرق في دوري موحد واحد، حيث يواجه كل فريق ثمانية خصوم مختلفين (أربعة على أرضه وأربعة خارجها)، يتم تحديدهم عبر قرعة معقدة تضمن التنوع وتحد من مواجهات الفرق من نفس البلد. النتيجة النهائية هي زيادة عدد المباريات، وتنوع المواجهات، والقضاء على ما كان يُوصف أحياناً بـ”ملل” المجموعات التي تتوقع نتائجها مُسبقاً.
بعد انتهاء هذه المرحلة، تُحدد مصائر الفرق الـ36 بناءً على الترتيب النهائي:
هذا الهيكل يضمن أن كل مباراة في مرحلة الدوري تحمل وزناً كبيراً، فالفوز أو التعادل قد يعني الفارق بين التأهل المباشر أو خوض ملعب خطر، أو حتى الخروج المبكر.
مشهد المتأهلين: بين عمالقة التاريخ ووجوه جديدة صاعدة
يضم الموسم الجديد مزيجاً قوياً من سادة أوروبا القدامى وأندية تكتب تاريخها لأول مرة. حامل اللقب هو باريس سان جيرمان، الذي يحمل معه لقبه الأول إلى المنافسة محاولاً تأكيد هيمنته الجديدة. وينضم إليه عمالقة مثل ريال مدريد، ومانشستر سيتي، وبايرن ميونخ، وليفربول، وإنتر ميلان، وبرشلونة، الذين يشكلون مع باريس سان جيرمان نواة التصنيف الأول القوي.
لكن روح النظام الجديد تتجسد في الفرق التي تصل إلى هذه المرحلة لأول مرة في تاريخها، مثل رويال أونيون سان جيلواز البلجيكي، وبودو/جليمت النرويجي، وبافوس القبرصي، وكايرات الكازاخستاني. حضور هذه الأندية ليس مجرد ديكور، بل هو تتويج لمسيرة أداء محلي وقاري متميز، ويمنح البطولة نكهة من التنوع الجغرافي والتحدي غير المتوقع.
يظهر الجدول التالي تصنيف الفرق الأربعة استناداً إلى معامل اليويفا، والذي يحدد مستوى القوة النظري لكل فريق قبل القرعة:
| التصنيف الأول | التصنيف الثاني | التصنيف الثالث | التصنيف الرابع |
|---|---|---|---|
| باريس سان جيرمان (حامل اللقب) | آرسنال | آيندهوفن | كوبنهاجن |
| ريال مدريد | أتلتيكو مدريد | أياكس أمستردام | موناكو |
| مانشستر سيتي | باير ليفركوزن | نابولي | جلطة سراي |
| بايرن ميونخ | أتالانتا | سبورتنج لشبونة | يونيون سان جيلواز |
| ليفربول | فياريال | أولمبياكوس | قره باغ |
| إنتر ميلان | يوفنتوس | سلافيا براج | أتلتيك بيلباو |
| تشيلسي | آينتراخت فرانكفورت | مارسيليا | نيوكاسل يونايتد |
| بوروسيا دورتموند | بنفيكا | بودو/جليمت | بافوس |
| برشلونة | كلوب بروج | توتنهام هوتسبير | كايرات |
المنافسة المحتدمة: أدوار إقصائية بميزة الأرض
بعد تحديد الـ16 فريقاً (8 مباشر + 8 من الملحق)، تعود البطولة إلى نظام الإقصاء المباشر (ذهاب وإياب) الذي نعرفه، لكن مع تعديل تكتيكي مهم. الفرق التي أنهت مرحلة الدوري في مركز أعلى ستلعب مباراة الإياب على أرضها في كل من دور الـ16 والربع والنصف. هذه القاعدة تضيف بعداً إستراتيجياً هائلاً، حيث تحول كل نقطة في مرحلة الدوري إلى كنز ثمين يمكن أن يمنح ميزة حاسمة في الأدوار الحاسمة.
ملعب الأحلام: بودابست تستضيف النهائي
كل رحلة عظيمة تحتاج إلى خاتمة تليق بها، وقد اختار اليويفا ملعب بوشكاش أرينا في بودابست، المجر، ليكون مسرح النهائي العظيم في 30 مايو 2026. هذا الملعب الفريد، الذي يتسع لأكثر من 67 ألف متفرج، ليس مجرد منشأة رياضية، بل هو تحفة معمارية تطل على نهر الدانوب، وسيضفي سحره على لحظة تتويج بطل قارة بأكملها.
خاتمة: مستقبل أكثر إثارة وتنوعاً
دوري أبطال أوروبا 2026 هو أكثر من مجرد بطولة؛ إنه بيان برسالة واضحة: كرة القدم الأوروبية تتطور. النظام الجديد، رغم تعقيده، ينجح في تحقيق هدفه الأساسي: منح كل مباراة قيمة قصوى، وفتح الباب أمام أندية من دوريات أصغر لخوض غمار المنافسة مع الكبار على أرض الملعب، وليس فقط على الورق.
بينما يتطلع العالم إلى موعد النهائي في بودابست، فإن الرحلة نفسها هي التي تروي القصة الحقيقية. قصة ثورة هادئة في عالم كرة القدم، تبدأ بقرعة في موناكو، وتعبر مئات الملاعب في أوروبا، لتصل إلى ذروتها على ضفاف الدانوب، حيث سيُكتب اسم جديد في سجل الأبطال الخالدين.

